حين قرأتُ أنّ كُبرى شركاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ تستعينُ بالفلاسفةِ لإرشادِ هذه التقنية، استرعى الأمرُ اهتمامي. لا لأنّ الفلاسفةَ صاروا فجأةً مبرمجين، بل لأنّ التقنيةَ بلغَت حدًّا لم تعُد الهندسةُ وحدَها تكفي عنده. فالذكاءُ الاصطناعيُّ باتَ يُثيرُ أسئلةً عن الحقيقةِ والعدلِ والمسؤوليةِ والخصوصيةِ والقيمِ الإنسانية.

غير أنّ الخبرَ دفعني أيضًا إلى التفكيرِ في مُقاربةِ حضارةٍ أُخرى لمسألةِ الإرشادِ الأخلاقي.

على مرِّ التاريخِ، احتاجَت كلُّ أمّةٍ إلى مَن يُجيبُ عن أسئلتِها الأخلاقيةِ الصعبة. والفارقُ الحقيقيُّ يكمنُ في المصدرِ الذي تعتقدُ تلك الأمّةُ أنّ السلطةَ الأخلاقيةَ تنبعُ منه.

الجوابُ الغربيُّ: الفيلسوف

في العالَمِ الغربيِّ الحديثِ، كثيرًا ما تلجأُ الشركاتُ إلى الفلاسفةِ وعلماءِ الأخلاق. ومهمّتُهم تحليلُ المعضلاتِ الأخلاقيةِ بالمنطقِ والعقلِ والنظرياتِ الأخلاقيةِ التي تطوّرَت عبرَ القرون. وليس ثمّةَ فيلسوفٌ واحدٌ يكونُ رأيُه مُلزِمًا؛ فالمدارسُ الفكريةُ المختلفةُ قد تبلغُ نتائجَ متباينةً تمامًا.

الجوابُ الإسلاميُّ: الوحيُ والعالِم

أمّا في التقليدِ الإسلاميِّ، فإنّ كثيرًا من المسلمين يُقارِبون الأسئلةَ نفسَها مُقاربةً مختلفة. فبدَلَ أن يسألوا عمّا يَخلُصُ إليه العقلُ البشريُّ وحدَه، يسألون عمّا أنزلَه اللهُ. فالعلماءُ والمُفتون المؤهَّلون يستنبطون الأحكامَ من القرآنِ والسُّنّةِ ومن تراثِ الفقهِ الإسلاميِّ الغنيّ.

سؤالٌ يستحقُّ أن يُطرَح

وهذا يُثيرُ سؤالًا لافتًا:

إذا كان نظامُ الذكاءِ الاصطناعيِّ موجَّهًا لخدمةِ المسلمين، فهل ينبغي أن يقومَ إرشادُه الأخلاقيُّ على الفلسفةِ العلمانيةِ في المقامِ الأول، أم ينبغي أن يعكسَ أيضًا المبادئَ الأخلاقيةَ الإسلاميةَ كما يُفسِّرُها العلماءُ المؤهَّلون؟

ليست خصومةً مع الفلسفة

ليس هذا انتقادًا للفلسفة؛ فقد أسهمَت الفلسفةُ إسهامًا هائلًا في المنطقِ والاستدلالِ والتفكيرِ النقديّ. وليس ادّعاءً بأنّ لكلِّ سؤالٍ جوابًا دينيًّا بسيطًا؛ فكثيرٌ من القضايا الحديثةِ يتطلّبُ خبرةً تقنيةً وفهمًا علميًّا وتحليلًا دقيقًا.

بل هو ملاحظةٌ مفادُها أنّ كلَّ حضارةٍ تعتمدُ على خبراءَ تثقُ بهم للإجابةِ عن أسئلتِها الأخلاقية. فالشركاتُ التقنيةُ الغربيةُ تعتمدُ على الفلاسفةِ على نحوٍ متزايدٍ لأنّ ذلك ينسجمُ مع التقليدِ الفكريِّ الذي تعملُ ضمنَه. والمجتمعاتُ الإسلاميةُ قد تتّجهُ بطبيعتِها نحوَ علماءَ تستندُ خبرتُهم إلى الوحيِ والعقلِ معًا.

ذكاءٌ يَعكسُ مَن يَخدُمهم

وكلّما تعاظمَ تأثيرُ الذكاءِ الاصطناعيِّ، ازدادَت أهميةُ هذا النقاش. فلا ينبغي أن يكونَ الذكاءُ الاصطناعيُّ ذكيًّا فحسب، بل أن يعكسَ قيمَ الناسِ الذين يَخدُمهم. وتلك القيمُ لن تكونَ بالضرورةِ واحدةً عبرَ الثقافاتِ والحضارات.

ولعلّ مستقبلَ الذكاءِ الاصطناعيِّ ليس إطارًا أخلاقيًّا كونيًّا واحدًا، بل أنظمةً تحترمُ التقاليدَ الأخلاقيةَ لمختلفِ المجتمعاتِ، مع بقائِها صادقةً وآمنةً ونافعةً للجميع.