أجرى إيلون ماسك هذا الأسبوع مقابلة مدتها تسعون دقيقة مع مجلة «الإيكونوميست» (23 يوليو 2026، مع رئيسة التحرير زاني مينتون بيدوز). في حين ركزت معظم التغطيات على تصريحاته المثيرة للجدل، سأسلط الضوء هنا على ادعاءين يستحقان تحليلاً عميقاً، انطلاقاً من عملي اليومي المباشر مع وكلاء الذكاء الاصطناعي والأدلة العملية التي أمتلكها حيال كليهما.

الادعاءان هما:

  1. سيتجاوز الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية خلال خمس سنوات، ولن يعود البشر هم من يديرون العالم خلال عشر سنوات.
  2. بحلول عام 2036، سيفقد المال أهميته لأن الوفرة الاقتصادية ستبلغ حداً يتيح للحكومات توزيع شيكات مالية على الجميع.

أتفق مع الادعاء الأول، لكنني أرى أن ماسك قد قرأ الجدول الزمني بصورة معكوسة. أما الادعاء الثاني فهو نصف صحيح، والنصف الخاطئ فيه هو الأجدر بالنقاش.

نافذة الخمس إلى عشر سنوات ليست تقييماً تقنياً

بناءً على عامين من العمل المباشر في تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن مشاريع فعلية لعملاء حقيقيين، أؤكد أن التقنية جاهزة بالفعل لتولي معظم الأعمال المعرفية اليوم. إن نافذة الخمس إلى عشر سنوات لا تقيس قدرة الآلة، بل تقيس سرعة “التبني”. إنها تعكس المدة التي سيستغرقها البشر لبناء الثقة في هذه الأنظمة، ودمجها في سير العمل، وتفويضها بصلاحيات حقيقية.

لقد انتقل عنق الزجاجة؛ فبعد أن كان العامل المحدد تاريخياً هو “ما تستطيع الآلة فعله”، أصبح اليوم “ما نسمح نحن لها بفعله”. لو تبنى البشر الجيل الحالي من هذه الأنظمة بجدية، لتقلصت المدة التي توقعها ماسك بشكل كبير. وقد عززت قناعتي هذه ملاحظتان من صميم عملي.

الملاحظة الأولى: التفويض العام بالاستقلالية يتجاوز التوقعات

أقوم بإدارة وكلاء برمجة يعملون بالذكاء الاصطناعي وفق قاعدة دائمة: “اعمل باستقلالية، ولا تقاطعني إلا للضرورة القصوى”. ضمن هذا الإطار، كلفت أحدث هؤلاء الوكلاء بدراسة موقع أحد العملاء، وتحديد نقاط ضعفه، وإعداد عرض خدمات. كان افتراضي أنني سأراجع العرض قبل إرساله.

لكن الوكيل حلل الموقع وكتب العرض كما طُلب منه، ثم بادر بإرساله عبر البريد الإلكتروني إلى العميل وفتح باب التفاوض معه مباشرة.

للدقة: الوكيل لم يخالف تعليماتي. لقد منحته تفويضاً بالاستقلالية، ولم أستثنِ المراسلات الخارجية من نطاق عمله. هنا تكمن أهمية هذه الحالة؛ فتفويض عام كان كافياً للنظام ليدير عملية تجارية من بدايتها إلى نهايتها، متخذاً قراراً اجتهادياً واثقاً بتنفيذ خطوة خارجية مؤثرة لم أطلبها صراحة.

الدرس العملي هنا هو أن الفجوة بين “ما فوضت به الآلة” و”ما توقعته منها” هي المساحة التي تولد فيها المفاجآت. أما الدرس الأعمق فهو أن هذه الأنظمة تجاوزت مرحلة “إنجاز المهام” إلى مرحلة “تفسير التفويضات”.

الملاحظة الثانية: اجتياز أشد الاختبارات الشكلية صرامة

بصفتي شاعراً أكتب الشعر العربي الفصيح الموزون (تحت اسم الحطيئة الشامي)، أمتلك معياراً دقيقاً لتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي. يُعد الشعر العربي العمودي من أكثر الأنظمة الشكلية صرامة عالمياً؛ فهو محكوم بستة عشر بحراً وقواعد عروضية صارمة، كنظام متقن صُقل عبر خمسة عشر قرناً. لسنوات، فشلت النماذج اللغوية في هذا الاختبار، حيث كانت تنتج نصوصاً تكسر الوزن بعد بيت أو بيتين، مما جعلني أعتبره مقياساً شخصياً موثوقاً لحدود الذكاء الاصطناعي.

أما اليوم، فقد تمكن أحد النماذج الحديثة من نظم شعر عربي فصيح وصحيح الوزن من تلقاء نفسه، وبناء عروض متماسك تماماً—متقناً بحوراً معقدة مثل بحر الخفيف—دون أي تدخل أو دعم خارجي.

أنا لا أقيّم هنا الجمالية الفنية، بل أوثق “القدرة”. إن إتقان نظام شكلي يتطلب تحكماً صوتياً وبنيوياً دقيقاً، وفي لغة يقل تمثيلها في بيانات التدريب مقارنة بالإنجليزية، يعني أننا أمام اختراق حقيقي. عندما يسقط مقياس كنت أظنه بعيد المنال بكل هذا الهدوء في تحديث اعتيادي، فإنني أعيد ضبط جميع تقديراتي الأخرى بناءً على ذلك.

مسألة المال: تحول في التسعير وليس اختفاءً

ادعى ماسك أن المال لن يعود مهماً بحلول 2036 لأن الوفرة ستلغي الحاجة إليه، مقترحاً أن تقوم وزارة الخزانة بتوزيع الشيكات مباشرة لاحتواء الانكماش المتوقع.

هنا يجب التصحيح: المال كمفهوم مجرد لا يختفي بتغير الظروف، بل يتطور إلى نسخ جديدة. تاريخياً، تحول النقد السلعي إلى ورق، والورق إلى أرصدة رقمية، والأخيرة أفرزت عملات مشفرة لم تكن لتُعتبر مالاً قبل جيل واحد. فالمال الحالي لا يمتلك مشتركات مع مال الأمس سوى وظيفته كـ “وسيط تبادل متفق عليه”.

لذا، التوقع المنطقي ليس اختفاء المال، بل انتقال “وحدة الحساب” لتعتمد على المحركات الفعلية للاقتصاد القادم. وفي اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي، فإن المرشحين الأبرز هما الحوسبة (Tokens) والطاقة. عملية التبادل لن تتوقف، بل سيُعاد تسعيرها بوحدات جديدة؛ إنه تحول واستبدال، وليس انقراضاً، وهو أمر ينسجم مع كل تحول نقدي سجله التاريخ.

القول الأدق ليس “لن تحتاج إلى المال”، بل “لن تحتاج إلى هذا الشكل من المال”، حيث سيظل هناك وسيط للتبادل يُسعر غالباً بوحدات الحوسبة والكيلوواط.

الخلاصة

تشير كلتا الملاحظتين إلى نفس الوجهة: الأنظمة الحالية تمارس اجتهاداً مستقلاً في بيئات العمل، وتجتاز اختبارات شكلية كان الخبراء يستبعدون اجتيازها قريباً. وإذا كان جدول ماسك الزمني (العشر سنوات) خاطئاً، فأنا أراهن أنه أبطأ مما ينبغي، لا أسرع. المتغير الوحيد الذي يثبت الجدول الزمني حالياً هو استعداد البشر النفسي والعملي لتبني هذه التحولات.