شاهدتُ قادة التقنية الأمريكية—سوندار بيتشاي (غوغل)، ومارك زوكربيرغ (ميتا)، وداريو أمودي (أنثروبيك)، وغريغ بروكمان (أوبن إيه آي)، وإيلون ماسك—يقفون جنباً إلى جنب مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض للتوقيع على «اتفاق البيت الأبيض للذكاء الفائق».

وبصفتي مهندساً عربياً أمريكياً يبني البرمجيات، ويدير الخوادم، وينشر أدوات الذكاء الاصطناعي كل يوم، كان رد فعلي الأول بسيطاً وواضحاً: التفاؤل.

فلأول مرة نرى الحكومة الفيدرالية وعمالقة الذكاء الاصطناعي الأمريكيين ينسّقون بمسؤولية حقيقية. لقد أدركوا أننا لسنا في ندوة أكاديمية نناقش فيها مخاطر نظرية، بل في سباق فعلي عالي المخاطر على التفوق التقني أمام خصوم عالميين، وفي مقدمتهم الصين. الولايات المتحدة تنظّم أخيراً جدار دفاعها الرقمي.

شهادة المؤتمر الصحفي

فيما يلي تسجيل الإحاطة الصحفية (بالإنجليزية) التي شرح فيها المديرون التنفيذيون الاتفاق، ومبدأ التنظيم الذاتي، والضرورة الاستراتيجية للريادة الأمريكية:

فخ التنظيم: لماذا يخسر «الولد المؤدب» الحرب؟

كلما دخلت سلامة الذكاء الاصطناعي دورة الأخبار، كان رد الفعل التلقائي لدى المنتقدين هو المطالبة بقيود فيدرالية ثقيلة وفورية. لكن من يقف في خنادق الهندسة يرى بعينٍ مختلفة تماماً ما يفعله التنظيم أحادي الجانب على أرض الواقع.

لو أن العالم كله يلعب بالقواعد نفسها—لو أن الخصوم الأجانب وشركات مثل «علي بابا» تلتزم ببروتوكولات أخلاقية صارمة—لرحّبتُ بتشريع متشدد غداً. لكن هذا ليس العالم الذي نعيش فيه.

من السذاجة أن نطالب الشركات الأمريكية بأن تلعب دور «الولد المؤدب»، مكبّلةً بالروتين البيروقراطي والأطر القانونية الجامدة، بينما يغشّ الخصوم الأجانب، ويسرقون البيانات، ويشنّون عمليات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي بلا أي قيد. هذا اسمه نزع سلاح رقمي من طرف واحد.

في عملي اليومي على صيانة البنية التحتية للخوادم وإدارة نشر المواقع، التهديد ليس فكرة مجردة. أنا أرى الحركة الخبيثة بعيني. لقد تتبّعتُ هجمات آلية شرسة تضرب البنية التحتية الأمريكية مباشرةً من نطاقات عناوين أجنبية، بينها عناوين صادرة عن مزوّدين صينيين مثل «علي بابا كلاود». وماذا يحدث حين تقدّم بلاغاً عن إساءة الاستخدام وتطالب بالمحاسبة؟ صمت تام، وإنكار صريح، وتعاون معدوم. لا مصلحة لهم في مساعدتنا على تأمين الشبكة.

الشركات الأمريكية—من المؤسسات الفردية والمشاريع المحلية إلى المؤسسات الكبرى—مستهدفة في كل ساعة. وللدفاع عنها نحتاج إلى شركات ذكاء اصطناعي أمريكية جريئة، سريعة الحركة، عالمية المستوى، تقف درعاً في وجه هذه الهجمات.

هل يبدو التنظيم الذاتي الطوعي ناقصاً؟ ربما. لكن في ثقافة التقنية الأمريكية شيء لا تملكه الأنظمة الاستبدادية الأجنبية: رقابة أقران شرسة وثقافة راسخة في كشف المخالفات. حين يقع خطأ داخل مختبر أمريكي، يتكلم المهندسون علناً، أو يُبلّغ أحدهم عن المخالفة، أو يستقيل الناس ويدقّون ناقوس الخطر. وحين يجتمع ذلك مع تدقيق متعدد الطبقات وإشراف مجالس إدارة مستقلة، فإن هذا النظام البيئي القائم على الأقران يمنحنا سرعة المنافسة من دون خنق المحرك الذي يحمينا.

بعيداً عن السياسة: إنه فعلاً «ذكاء فائق»

سأكون صريحاً تماماً: أختلف مع الرئيس ترامب في كثير من القضايا السياسية. لكن في هذه النقطة تحديداً أتفق معه كلياً، وأُقدّر حماسه في دفع التقنية الأمريكية إلى الأمام.

دعا ترامب إلى التخلي عن مصطلح «الذكاء الاصطناعي» لصالح «الذكاء الفائق». وهو محق.

كلمة «اصطناعي» باتت قديمة. إنها توحي بتقليد بلاستيكي أو لعبة ميكانيكية. أما ما نتعامل معه اليوم فليس تقليداً على الإطلاق. أنا أبني بهذه النماذج منذ الأسبوع الثالث لإطلاق «تشات جي بي تي» للعامة، ومنذ ذلك الحين وفي كل أسبوع أشاهد قدرة الاستدلال تتوسع، وتوليد الأكواد يزداد إحكاماً، والإمكانات تقفز إلى مناطق لم نختبرها من قبل.

إنه قادر إلى حدٍّ مذهل. وتسميته «ذكاءً فائقاً» ليست مسرحية سياسية، بل اعتراف تقني دقيق بالعصر الجديد الذي دخلناه.

الوفرة في مواجهة الطبيعة البشرية: جرعة من الواقعية الهندسية

خلال الإحاطة، رسم إيلون ماسك صورة طوباوية لهذا المستقبل، متنبئاً بأن الذكاء الفائق والروبوتات الشبيهة بالبشر ستتجاوز فكرة «الدخل الأساسي الشامل» لتقدّم «دخلاً مرتفعاً شاملاً»، فتحلّ مشكلة العمل البشري كلها وتوفر رعاية صحية فاخرة للجميع.

أتمنى لو كان بوسعنا بناء عالم مثالي كهذا. لكن بوصفي شخصاً تقف قدماه على أرض الأنظمة الحقيقية، لا أصدّق ذلك.

فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيُلغي العمل ببساطة ويمنح كل إنسان شيكاً شهرياً تتجاهل حقيقتين جوهريتين:

  1. قانون المشكلات المتوالدة: في كل مرة تحلّ التقنية مشكلة، تظهر عشر مشكلات جديدة مكانها. حتى لو حلّ الذكاء الفائق أمراض البيولوجيا أو عُقد اللوجستيات، فسنواجه فوراً تحدي إدارة الذكاء الفائق نفسه، واستكشاف الفضاء العميق، وتأمين طاقة الكوكب، وإعادة بناء الأمن السيبراني من أساسه. سيبقى هناك دائماً عمل معقد ومرهق ينتظر من ينجزه.
  2. الطبيعة البشرية والمحاسبة: مجتمعاتنا لا تقوم على منح المكافأة نفسها لمن يبني ويسهر الليالي في حل المشكلات ولمن لا ينتج شيئاً. انظروا حولنا الآن: في كاليفورنيا ثروة هائلة وتقنية متقدمة، ومع ذلك ما تزال مشكلة المشرّدين بلا حل. المجتمعات البشرية بطبيعتها تكافئ الجهد والانضباط.

لن تكون هناك جنة طوباوية خاملة يصبح فيها الجهد البشري بلا قيمة. ستكون هناك تحديات جديدة، وجبهات جديدة، وطلب جديد على العاملين المجتهدين الذين يعرفون كيف يقودون هذه الأدوات.

أرضية للتفاؤل الأمريكي

إن كنت صاحب عمل أمريكياً، أو مهندساً، أو مواطناً يتساءل عمّا تعنيه قمة البيت الأبيض هذه، فعليك أن تشعر بالتفاؤل.

نحن نعيش في عصر من الغموض العالمي العميق، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بكل منعطف في هذا التحول التقني. لكن أن نرى حكومتنا تجلس مع مهندسي الحوسبة الحديثة—لا لتخنقهم بقواعد اعتباطية، بل لتتحداهم أن يبنوا بأمان، ويدققوا بصرامة، ويقودوا بجرأة—فهذه هي الخطوة الصحيحة تماماً.

وللقارئ العربي أقول: هذا السباق ليس شأناً أمريكياً صينياً بحتاً. النماذج التي ستنتصر فيه هي التي سنتعلم بها ونعمل ونبني بها في عالمنا العربي خلال السنوات المقبلة، والأجدى لنا أن تكون هذه الأدوات في يد أنظمة تُحاسَب أمام رأي عام حر، وتخضع لرقابة أقرانها، لا في يد أنظمة تُخفي ما تفعله. ولذلك فإن السؤال الأهم لنا ليس «من يفوز؟» فحسب، بل «كيف نكون شركاء في البناء لا مجرد مستهلكين للنتيجة؟».

السباق بدأ. والخط رُسم. والولايات المتحدة تنهض لتفوز به.