خلال الأشهر القليلة الماضية، انتشر أسلوب جديد من المسلسلات الدرامية القصيرة بسرعة كبيرة على منصة فيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي. تم تصميم هذه الفيديوهات لجذب انتباهنا فوراً، وإبقائنا مشدودين للمتابعة، ودفعنا لمشاهدة حلقة تلو الأخرى. إن شعبيتها واضحة ولا يمكن إنكارها، ولكن بعد مشاهدة العديد منها، بدأت أطرح على نفسي سؤالاً مقلقاً: ما نوع السلوك السائد الذي نروج له؟ وما هو الثمن الحقيقي؟

صدمة للمشاهد بدلاً من الفن الحقيقي

يبدو أن العديد من هذه الفيديوهات موجهة أساساً للجمهور الغربي، لكنها غالباً لا تعكس الثقافة الحقيقية أو القيم الإنسانية السوية. بدلاً من ذلك، تقدم هذه الأعمال عالماً مليئاً بالخيانة، والإساءة، والعنف، والخلافات العائلية الحادة؛ حيث يضرب الأزواج زوجاتهم، ويُعامل الأطفال بقسوة، ويخون الأصدقاء بعضهم البعض. تكاد كل حلقة تتمحور حول القسوة أو التلاعب بالآخرين.

المشكلة هنا ليست في مجرد عرض مواضيع صعبة؛ فالمواضيع الجادة كانت دائماً جزءاً من الكتب، والمسرح، والسينما. المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة عرض هذه المواضيع.

يفهم صناع الأفلام المحترفون أن سرد القصص فن؛ فحتى عندما يعرضون العنف، فإنهم يعتمدون على الرمزية، والإيحاء، والإخراج الذكي. يمكن لأداء قوي ومؤثر أن ينقل المعاناة الإنسانية دون ابتذالها أو استغلالها، فالقصة الجيدة تحترم الجمهور والمحتوى معاً.

أما هذه المسلسلات على وسائل التواصل الاجتماعي فتفعل العكس تماماً. إنها لا تدخر جهداً في استخدام الصدمة المباشرة بدلاً من ضبط النفس الفني، ولا تهتم ببناء شخصيات عميقة، بل تركز فقط على المواقف المتطرفة لإثارة رد فعل عاطفي سريع. علاوة على ذلك، يبدو أن العديد من الممثلين يفتقرون إلى التدريب الاحترافي، مما يجعل القصص تبدو أقرب إلى إعادة تمثيل مثيرة للجدل هدفها الوحيد حصد النقرات والمشاهدات، وليست دراما صيغت بعناية.

كيف تتحكم هذه الفيديوهات في انتباهنا؟

إن علم النفس الكامن وراء هذا الاتجاه قوي للغاية؛ حيث تُكتب النصوص بطريقة تأسر انتباه المشاهد في ثوانٍ معدودة من خلال:

  • التشويق المستمر (Cliffhangers): تنتهي كل لقطة بنهاية مفاجئة ومعلقة تتركك متلهفاً لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك.

  • المبالغة في تضخيم المشاكل: يتم تصوير كل خلاف بشكل أضخم وأكثر درامية بكثير مما يحدث في الحياة الواقعية.

  • استهداف الشباب: تعتبر هذه الأساليب فعالة للغاية، خاصة بين الفئات الشابة التي تقضي وقتاً طويلاً على الإنترنت.

وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتم إنتاج هذه الفيديوهات لتقديم قصص هادفة، أم أنها مجرد أدوات برمجية صُممت لزيادة المشاهدات وأرباح الإعلانات؟

في نظري، الإجابة واضحة؛ فهذا المحتوى صُنع أساساً لجني المال. إن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ “الاهتمام والوقت المستغرق في المشاهدة”، وأسهل طريقة لجذب هذا الانتباه هي إثارة الغضب، والخوف، والصراع، والصدمة. هذا الأمر يخلق حلقة مفرغة: يصنع المنتجون فيديوهات أكثر جنوناً وسلبية لأن هذا هو بالضبط ما تروج له المنصات.

الجمهور المجبر على المشاهدة

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن المشاهدين لا يبحثون دائماً عن هذه الفيديوهات بأنفسهم، بل تضعها خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أمام أعيننا مباشرة عبر التوصيات والإعلانات الموجهة. وفي كثير من الحالات، يجد الناس أنفسهم يشاهدونها بمجرد تصفحهم اليومي المعتاد.

كلمة حول حرية التعبير: حرية التعبير قيمة أساسية، ولا ينبغي لنا أن نرقب أو نمنع الأعمال الإبداعية لمجرد أنها تناقش مواضيع صعبة. ومع ذلك، تقع على عاتق المجتمع مسؤولية مناقشة أثر المحتوى المصمم خصيصاً لاستغلال النفس البشرية من أجل تحقيق ربح مادي.

خاتمة: هل يستحق الربح هذا الثمن؟

مع استمرار انتشار هذه المسلسلات القصيرة، يتعين على شركات التواصل الاجتماعي، وأولياء الأمور، والمعلمين، وصناع القرار إيلاء اهتمام أكبر لمدى تأثيرها. إن الترفيه يشكل الثقافة، ويغير طريقة نظرة الناس إلى العلاقات، والأسرة، والثقة، والمجتمع.

عندما يروج المحتوى الأكثر نجاحاً على الإنترنت وبشكل مستمر للصراع، والإساءة، والتلاعب، فلا بد لنا أن نسأل: هل أصبح السعي وراء التفاعل والأرقام أهم من المسؤولية التي تأتي مع مخاطبة ملايين المشاهدين؟

هذا النقاش لا يدور حول منع القصص أو حظرها، بل يتعلق بالسؤال عما إذا كانت كل نقرة، وكل مشاهدة، وكل دولار يتم كسبه يستحق هذا الضرر المجتمعي.