نقد ادبي

هل سرّ خلود القصيدة والأغنية العربية يكمن في “العَروض”؟ حينما تنتصر الموسيقى على المعنى

صورة فنية تدمج بين "المخطوطة القديمة" و"موجات الصوت الحديثة". تخيل كلمات عربية مكتوبة بخط عربي أصيل تخرج من ورقة بردي قديمة وتتحول تدريجياً إلى موجات صوتية رقمية ملونة (Sound Waves) تشبه تلك التي نراها في تطبيقات الموسيقى.

مقدمة: معادلة الشهرة والخلود

ليست كل قصيدة مشهورة عظيمة بالضرورة، وليست كل قصيدة عظيمة مشهورة.

لكن، عند التأمل في خارطة أشهر القصائد العربية الحديثة، وأوسع الأغاني انتشاراً في العالم العربي اليوم، يظهر عامل مشترك يصعب تجاهله: الإيقاع. فمن القصيدة العمودية الكلاسيكية، مروراً بقصيدة التفعيلة، وصولاً إلى الأغنية الشبابية “التريند”، نجد أن العمل الذي ينجح في اختراق الذاكرة الجمعية غالباً ما يكون عملاً موزوناً، يستند إلى جينوم موسيقي قديم نسميه “العَروض”.

ثقافة الأذن: الإيقاع قبل القراءة

الثقافة العربية، في جذورها العميقة، هي ثقافة سمعية. فالقصيدة عند العرب لم تكن نصاً يُكتب ليُقرأ بالعيون، بل نصاً يُنظم ليُنشَد بالآذان. والأغنية لم تكن يوماً لحناً منفصلاً عن الكلمات، بل هي امتداد للوزن الشعري.

لذلك، نجد أن قصائد حديثة خالدة مثل:

  • لا تصالح (أمل دنقل)

  • أحنّ إلى خبز أمي (محمود درويش)

  • مديح الظل العالي (محمود درويش)

  • قارئة الفنجان (نزار قباني)

كل هذه الروائع، رغم حداثتها، مبنية على بحور خليلية واضحة (الكامل، الرجز، المتقارب…). لم تخرج هذه القصائد من الإطار العروضي، بل أعادت تشكيله. حتى ما سُمي بـ”قصيدة التفعيلة”، لم يكن تمرداً على الوزن، بل كان تحرراً من شكل “العمود” مع الحفاظ على روح “البحر”.

“التفعيلة ليست نثراً، بل هي بحرٌ ممتد وزمن موسيقي متواصل.”

من “المعلقات” إلى “الغزالة رايقة”: الجينوم الواحد

المفاجأة أن الأمر لا يقتصر على الشعر الفصيح والنخبوية الثقافية. الأغنية العربية الحديثة والشعبية تكشف الحقيقة ذاتها. تأمل في إيقاعات أغانٍ اكتسحت الشارع مؤخراً:

  • الغزالة رايقة: مبنية عروضياً على (بحر المتدارك).

  • يا بنت يا أمّ المريلة كحلي: أيضاً على (المتدارك).

  • تذاكر يا هانم: إيقاع (المتقارب).

  • قولوا لعين الشمس: إيقاع (الرجز).

المفارقة المدهشة هنا أن كثيراً من كتاب هذه الأغاني لا يجلسون وبأيديهم كتب “الخليل بن أحمد الفراهيدي”، لكنهم يكتبون بالسليقة على بحوره. لماذا؟ لأن العروض لم يعد مجرد علم مدرسي جاف، بل تحول عبر القرون إلى ذاكرة سمعية جمعية. نحن لا نكتب العروض لأننا ندرسه، بل ندرسه لأننا تربينا عليه سماعاً في تهويدات الأمهات وأهازيج الشارع.

فرضية الانتشار: لماذا يخلد الوزن النصوص؟

انطلاقاً من هذه الملاحظة، يمكننا صياغة فرضية واضحة لتفسير الانتشار: “إن أحد الأسباب الرئيسية لشهرة أي قصيدة أو أغنية في العالم العربي هو التزامها بالموسيقى العروضية.”

فالوزن يمنح النص خصائص “فيزيائية” تساعد على انتشاره:

  1. قابلة الحفظ: العقل البشري يحفظ النغم أسرع من النثر.

  2. سهولة الترديد: الوزن يخلق دافعاً للجماعة لترديد النص بصوت واحد.

  3. قابلية الغناء: النص الموزون هو مشروع أغنية جاهز.

في المقابل، النصوص التي تتخلى كلياً عن الإيقاع (مثل قصيدة النثر الخالصة)، غالباً ما تبقى أسيرة القراءة الفردية الصامتة، وتواجه صعوبة في التحول إلى “ظاهرة ثقافية جماهيرية”.

الخلاصة

ليست القضية صراعاً بين القديم والحديث، ولا بين العمودي والتفعيلة، ولا حتى بين الفصحى والعامية.

القضية باختصار هي مسألة موسيقى. حيث يوجد الوزن، توجد الذاكرة. وحيث توجد الموسيقى، يوجد الانتشار. ولهذا، قد لا يكون “العَروض” مجرد علم لضبط الشعر، بل هو أحد أهم مفاتيح خلوده.


Please follow and like us:

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *