قضايا مجتمع / رأي, مقال راي

رحيل “أم زكي”: حين تُحرج لغة المتهمة صمت المسؤولين.. قراءة فيما وراء الجريمة

ميزان العدالة وميكروفون يرمزان لقضية مقتل الفنانة هدى شعراوي والجدل حول التحقيقات.

مقدمة: صدمة فبراير 2026

في فبراير 2026، استيقظ الشارع السوري والعربي على خبر مفجع أعلنت عنه وزارة العدل السورية: مقتل الممثلة القديرة هدى شعراوي داخل منزلها في دمشق. تلك الفنانة التي حفرت مكانتها في ذاكرة الأجيال بشخصية “أم زكي” في مسلسل باب الحارة، لم تكن مجرد ممثلة، بل جزءاً من الوجدان الشعبي.

وبحسب الرواية الرسمية، أُلقي القبض على خادمتها (أوغندية الجنسية)، التي اعترفت بارتكاب الجريمة، ونقلت وسائل الإعلام—ومن بينها قناة العربية—مشاهد لتمثيل الجريمة ومقتطفات من التحقيقات.

لكن، خلف غبار الجريمة وهول الصدمة، تبرز تساؤلات أعمق تتجاوز الحادثة نفسها لتلمس جوهر العدالة، وصورة الدولة، ومفهوم المسؤولية.

أولاً: إدانة الجريمة مبدأ لا يقبل التجزئة

من حيث المبدأ، لا يسعنا إلا إدانة القتل والعنف بأشد العبارات، أياً كانت الظروف أو الدوافع. الجريمة تبقى جريمة، ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، خاصة حين تطال قامة فنية ارتبط بها الناس.

ولكن، بين الإدانة الأخلاقية الصارمة، يقفز سؤال قانوني وإنساني: هل تكتمل العدالة بمجرد إدانة الفعل؟ أم يجب أن تكتمل بضمان حقوق المتهم كاملة، حتى وإن اعترف؟

ثانياً: ثغرات في جدار العدالة.. أين المحامي؟

في سياق التحقيقات المنشورة، ذكرت المتهمة أنها تعرضت لظلم وضغوط نفسية. وهنا نعود ونؤكد: لا تبرير للجريمة. لكن هذا يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول منظومة العمالة والعدالة:

  • أين يذهب العامل الأجنبي إذا شعر بالظلم في بيئة غريبة؟

  • هل توجد قنوات آمنة وفعالة للتظلم قبل أن تتفاقم الأمور؟

  • هل يثق هؤلاء بالأجهزة الأمنية لتقديم شكوى؟

“العدالة الاحترافية لا تعني فقط القبض على الجاني، بل تعني أيضاً ضمان تمثيل قانوني كامل.”

الملاحظة الأبرز في التغطية الإعلامية كانت غياب الحضور الواضح لمحامٍ يدافع عن المتهمة أثناء عرض التحقيقات. إن قوة العدالة تكمن في منح المتهم كافة حقوقه وإتاحة الظروف المخففة إن وُجدت، وليس في سرعة الإغلاق على القضية.

ثالثاً: المفارقة الصادمة.. اللغة والقيادة

لعل أكثر ما لفت الانتباه في المقاطع المتداولة هو أن المتهمة تحدثت باللغة الإنجليزية بطلاقة وقوة إقناع لافتة. بغض النظر عن محتوى حديثها، بدت قدرتها التعبيرية متماسكة ومؤثرة.

هنا تبرز مقارنة مؤلمة لا علاقة لها بالجريمة، بل بصورة الدولة: كيف يمكن لمتهمة أجنبية أن تمتلك لغة وحضوراً أقوى من لغة بعض القيادات الرسمية عند مخاطبة العالم؟

هذا السؤال يمس مباشرة مستوى الخطاب السياسي وكفاءة من يتصدرون المشهد لتمثيل البلاد خارجياً. إن الكاريزما والقدرة على التعبير هما جزء من “القوة الناعمة” للدول، وغيابها يضعنا في مواقف محرجة أمام أبسط المقارنات.

رابعاً: شجاعة الاعتذار ومفهوم المسؤولية

في ختام حديثها، قدمت المتهمة اعتذاراً للشعب السوري. ورغم أن الاعتذار لا يمحو الدم ولا الجريمة، إلا أنه يظل اعتذاراً علنياً.

وهنا يطرح السؤال الأخلاقي نفسه بقوة: هل اعتدنا رؤية مسؤولين يعتذرون للشعب عن أخطاء سياسية كارثية، أو عن ضحايا سقطوا في سياقات أخرى نتيجة الإهمال أو الفساد؟

المقارنة هنا ليست لتبرئة ساحة القاتلة، بل لإثارة نقاش عريض حول “المسؤولية العامة”.

الخلاصة: العدالة التي نريد

  • الجريمة مُدانة بلا نقاش.

  • التعاطف مع الضحية لا يُسقط حق المتهم في محاكمة عادلة وتمثيل قانوني.

  • قوة الدولة لا تُقاس بقبضتها الأمنية فحسب، بل بمهنيتها القانونية ورقي خطابها.

قد يكون من السهل إنهاء القصة عند لحظة “القبض على الجانية”، لكن الأصعب والأهم هو طرح الأسئلة التي تمنع تكرار المأساة مستقبلاً. هذا المقال لا يدافع عن الجريمة، بل يدافع عن فكرة واحدة: أن العدالة الاحترافية هي الخط الفاصل بين الدول القوية والدول المرتبكة.

Please follow and like us:

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *