هل تبقى القصيدة بلا وزن؟
العَروض بوصفه شرطًا للذاكرة الشعرية العربية
عبر تاريخ الشعر العربي، لم يكن الوزن عنصرًا زخرفيًا أو قيدًا شكليًا، بل كان أحد الشروط الأساسية لبقاء القصيدة وانتقالها من جيل إلى جيل. فالثقافة العربية، في أصلها، ثقافة سمعية؛ تحفظ ما يُنشَد قبل أن تحفظ ما يُقرأ، وتتداول ما له موسيقى قبل ما له فكرة مجردة.
وإذا كان هذا واضحًا في الشعر الفصيح العمودي، فإنه لا يقل وضوحًا في الشعر العربي الحديث، ولا في الشعر العامي. فالشعر العامي، على اختلاف بيئاته ولهجاته، لم يكن يومًا خارج العَروض، بل أعاد توظيفه بصورة فطرية تتناسب مع اللسان المحكي، محافظًا على الإيقاع، والنبض، وقابلية الغناء.
ومع ظهور قصيدة التفعيلة، شاع الاعتقاد بأن الشعر خرج من العروض، لكن التمعّن يكشف أن ما حدث لم يكن خروجًا من الوزن، بل خروجًا من العمود فقط. فالتفعيلة ظلّت مرتبطة بالبحر، ملتزمة بتفعيلاته، وإن تنوّعت جوازاته وتغيّرت أطوال الأسطر.
واللافت أن القصائد التي بقيت حيّة في الذاكرة العربية الحديثة—سواء كانت سياسية، وجدانية، أو غنائية—هي في معظمها قصائد موزونة، واضحة الإيقاع، قابلة للإنشاد، سهلة الحفظ. في المقابل، فإن النصوص التي تخلّت كليًا عن الوزن، مهما بلغت كثافتها الفكرية أو اللغوية، نادرًا ما انتقلت من حيّز القراءة الفردية إلى الذاكرة الجمعية.
لا يعني هذا أن كل شعر موزون خالد، ولا أن كل نص غير موزون ضعيف، لكن التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن الوزن شرط من شروط البقاء، لا قيدًا على الإبداع. فالشاعر لا يُلغى داخل العَروض، بل يبدع داخله.
ومن هنا، يمكن القول إن ما يجمع بين القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، والشعر العامي، هو خيط واحد لا ينقطع: الإيقاع.
جدول القصائد والأوزان (شامل)
| القصيدة | النوع | الشكل | البحر / التفعيلة |
|---|---|---|---|
| لا تصالح – أمل دنقل | فصحى | تفعيلة | المتدارك – فاعلن (وجوازاتها) |
| قارئة الفنجان – نزار قباني | فصحى | تفعيلة | المتدارك – فَعِلُن |
| القدس عروس عروبتكم – مظفر النواب | فصحى/عامي ممزوج | تفعيلة | المتدارك – بجميع جوازاته |
| البكاء بين يدي زرقاء اليمامة – أمل دنقل | فصحى | تفعيلة | الرجز – مستفعلن (وجوازاتها) |
| أحنّ إلى أمي وقهوة أمي – محمود درويش | فصحى | تفعيلة | المتقارب – فعولن |
| مديح الظل العالي – محمود درويش | فصحى | تفعيلة | الكامل – مستفعلن / متفاعلن |
| رسالة من تحت الماء – نزار قباني | فصحى | تفعيلة | المتدارك – فعلن |
| أنا وليلى – حسن المرواني | فصحى | عمودي | البسيط |
| ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة | فصحى | تفعيلة | الرمل |
| قولوا لعين الشمس | عامي/تراثي | عمودي غنائي | الرجز |
| حمدة – عمر الفرا | عامي | تفعيلة | الرمل – فاعلاتن |
| هما مين وإحنا مين – أحمد فؤاد نجم | عامي | تفعيلة | المتدارك – وجوازاته |
خلاصة
القصيدة التي تُسمَع تُحفَظ،
والقصيدة التي تُحفَظ تبقى.
أما القصيدة التي تنفصل عن الإيقاع،
فغالبًا ما تُقرأ مرة… ثم تُنسى.

Facebook Comments