شخصان مختلفان، وجريمتان متباينتان، لكن النهاية كُتبت بالمداد القاتم ذاته: حبل مشنقة في سجن مصري. غير أن السؤال الجوهري الذي يستحق التفكيك هنا ليس «ماذا فعلا؟»؛ فتلك تفاصيل وثّقتها محاضر التحقيق وتداولتها الألسن، بل السؤال الأعمق والأكثر إلحاحًا: أين كانت المحطة الأخيرة التي كان في وسع كلٍّ منهما عندها أن يقول لنفسه بحزم: «سأتوقف هنا»؟
ليس هذا المقال سياحة في الوعظ الجنائي؛ فالمصير المأساوي لا يولد فجأة في لحظة ارتكاب الجريمة، بل تتشكّل نواته قبل ذلك بوقت طويل؛ تحديدًا حين يرفض الإنسان التراجع في اللحظة الأولى التي كان فيها الانكفاء ممكنًا وبأقل الخسائر. ما أطرحه هنا ينطلق من بعد إنساني ووقائي صرف: قراءة لا تلتمس الأعذار للجاني، ولا تنتقص قيد أنملة من قدسية حق الضحية، ولا تبدّل الباطل حقًّا؛ إذ إن محاولة تفسير الدوافع والظروف شيء، وتبرير الفعل الآثم شيء آخر تمامًا.
مفهوم الدفاع الجنائي وتفكيك صورة «المجرم»
من واقع عملي لأكثر من عقد في المجال التقني وإدارة الأنظمة لصالح محامي دفاع جنائي بارزين في ولاية كاليفورنيا، تغيّرت زاوية رؤيتي لكثير من المفاهيم القانونية. لم تكن معظم القضايا التي عالجاها تدور حول جرائم القتل، بل تمحورت في غالبها حول نزاعات أسرية، أو مخالفات مرورية جسيمة، أو اتهامات تمس السمعة الأكاديمية والمهنية؛ ومع ذلك، كانت كلها قضايا «مصيرية»، ففي النظام القانوني هناك، قد يكفي اتهام واحد غير مدروس لتقويض مسيرة إنسان المهنية بأكملها.
استوقفني في نهجهما ركيزتان أساسيتان:
-
البحث الدؤوب في الخلفيات والظروف النفسية: استجلاء أي سياق موضوعي يخفف من وطأة الحدث ويفسّر ملابساته.
-
قدسية الإجراءات العادلة: الإيمان الراسخ بأن حق المتهم في محاكمة عادلة وإجراءات سليمة هو أصل دستوري بديهي لا يحتاج إلى مواربة أو اعتذار، مهما بلغت جسامة الفعل.
الدفاع الجنائي الرصين لا يكتفي بطرح سؤال الإدانة المجرد: «هل وقع الفعل؟»، بل يغوص في الكيفيات: تحت أي ضغط نفسي حدث؟ وما المثيرات أو الاستفزازات الدافعة؟ وهل ثمة ظروف مخففة يتيح القانون للقاضي أخذها في الاعتبار؟
المحامي الجنائي، في جوهر رسالته، ليس «مدافعًا عن الجريمة»، بل هو حارس للإجراءات السليمة، وسند للمتهم بريئًا كان أو مدانًا، وضامن لحقوقه في مرحلتي العقوبة والطعن. وفهم السياق هنا لا يعني إسقاط المسؤولية الجنائية أو إهدار دم الضحية، بل يضع الفعل البشري في ميزان العدالة الموضوعية المتجردة من الانفعال.
المحاكمة العادلة وسط صخب العواطف
قناعتي بضرورة ضبط موازين العدالة لم تكن وليدة البيئة الغربية فحسب؛ فخلال فترة خدمتي العسكرية الإلزامية في سوريا وأنا في مقتبل الشباب، خضت نقاشات مع رفاقي حول جدوى العقوبات القصوى وما إذا كانت تستأصل شأفة الجريمة، وكان الرد الشائع استنكارًا يرتدي عباءة دينية. والمفارقة تكمن في أن النص القرآني الذي أقرّ القصاص، أفسح في الآية ذاتها أفقًا واسعًا للعفو والتسامح: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ غير أن الثقافة الجمعية تنزع غالبًا نحو قراءة أحادية تختزل العدالة في الانتقام السريع، متناسية أن التسامح خيار تشريعي وإنساني أصيل.
تجلّى هذا التحدي بوضوح عقب حادثة المنصورة المؤسفة؛ إذ بدا المحامي الأول لمحمد عادل وهو يخاطب الرأي العام كأنه يعتذر عن أداء واجبه المهني بدعوى تفهم الغضب الشعبي، في مشهد يعكس خللًا في إدراك رسالة الدفاع؛ فالمحامي الذي يستهل مرافعته بمسحة اعتذارية يفقد قضيته هيبتها الإجرائية قبل أن تبدأ. ولاحقًا، حين تولى الراحل فريد الديب مرحلة الطعن أمام محكمة النقض مستندًا إلى ثغرات إجرائية، مارست المحكمة حقها في الرفض؛ لكن مجرد قبول محامٍ بهذا الثقل فتح ملف الطعن يؤكد أن التدقيق في سلامة الإجراءات يظل حقًّا مشروعًا لا يسقطه بشاعة الفعل.
حين عبّرتُ عن هذه الرؤية شعرًا على صفحتي الشخصية—مؤكدًا أن العدالة تقتضي محاكمة لا تشوبها شائبة مهما كان الجرم—لقيت القصيدة تفاعلًا واسعًا، لكنها قوبلت في المقابل بموجة عاتية من الهجوم والتخوين اختزلت الموقف في معادلة صفرية: إما إدانة مطلقة ورفض لأي نقاش، أو أنك متواطئ مع الجريمة. هذا المناخ يعكس ضيق المساحة المتاحة للحوار العقلاني الرصين حول ظروف الجرائم وسلامة التقاضي حين تسيطر المشاعر الجارفة على الفضاء العام.
دراسة حالتين: متى أُغلقت نافذة النجاة؟
1. قضية محمد عادل ونيرة أشرف
في العشرين من يونيو 2022، قُتلت الطالبة نيرة أشرف أمام بوابة جامعة المنصورة. وبيّنت أوراق الدعوى أن الجريمة لم تكن وليدة لحظتها، بل سبقتها سلسلة من رسائل التهديد، والملاحقات، ومحاولات الابتزاز الإلكتروني التي حررت الضحية بشأنها محاضر رسمية قبل الحادثة بأشهر، حتى نُفذ حكم الإعدام في يونيو 2023 بعد استنفاد مراحل التقاضي.
تسمية هذه الواقعة «جريمة حب» تضليل للمفاهيم؛ فالأمر في حقيقته نزعة تملّك مَرَضية وعجز عن تقبل الرفض، تحولا إلى حقد انتقامي أعمى. تكمن نقطة التراجع المهدرة هنا عند الرفض الصريح الثاني؛ فحين بدأت العلاقات تسوء وتدخلت العائلات، كان الحريّ به أن يتنحى جانبًا، ويتقبل انتهاء الأمر بأقل قدر من الخسارة النفسية. كما تكشف الواقعة عن فجوة هيكلية في مجتمعاتنا العربية تتعلق بندرة مراكز الدعم والتوجيه النفسي، التي كان من شأنها—لو توفرت في الوقت المناسب—أن تساعد شابًا على استعادة اتزانه قبل الانجراف وراء الهوس المدمر.
2. قضية دعاء سمير («برنسيسة منيا القمح»)
رغم أن هذه الواقعة تُستقى غالبًا من التغطيات الصحفية دون الوصول إلى حيثيات الحكم المكتوبة كاملة، فإن خيوطها المتداولة تشير إلى التقاء زوجة بزميل دراسة ارتبطت به عاطفيًّا في الماضي، ليتطور الأمر إلى التواطؤ على إنهاء حياة الزوج والتنكيل بجثمانه، وصولًا إلى اكتشاف الجريمة وصدور حكم الإعدام وتنفيذه.
كانت فرصة النجاة الأخيرة تكمن في اللحظة الأولى التي أدركت فيها الزوجة انبعاث تلك المشاعر القديمة؛ ففي تلك النقطة بالتحديد، كان الواجب الأخلاقي والعقلي يفرض عليها كبح المسار فورًا، ومصارحة الأهل، واللجوء إلى طلب الانفصال المشروع. ورغم تعقيدات الطلاق وكلفته الاجتماعية في بعض البيئات، إلا أن أي ثمن اجتماعي يظل ضئيلًا مقارنة بمستنقع الخيانة والجريمة وفقدان الحياة على منصة الإعدام.
«الخيط الناظم بين الجريمتين هو البحث عن “الحل الأسرع”؛ فالجريمة قد تبدو في لحظة انغلاق ذهني كأقصر الطرق، لكنها في الحقيقة الطريق الأكثر كلفة والوحيد الذي لا رجعة فيه.»
هندسة التراجع: قواعد تجنّب المنزلق القاتل
إن قراءة هذه المآسي تبرز خمسة مبادئ وقائية تشكل صمام أمان أمام القرارات الانفعالية الكارثية:
-
فصل الانفعال عن القرار: الغضب أزمة عارمة لكنها مؤقتة بطبيعتها؛ وتحويل المشاعر اللحظية إلى قرارات تنفيذية هو بداية كل انزلاق. كبح الاندفاع والابتعاد الجغرافي عن مسرح النزاع كفيل بتبديد حدة التوتر، وهو ما يؤكده التوجيه الحكيم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
-
إدراك نسبية الأزمات: الخسائر العاطفية، والمالية، والمهنية، والاجتماعية أزمات قابلة للعلاج والتفكيك بمرور الوقت وتبدل الأحوال؛ بينما الإقدام على سلوك عنيف يمثل نوعًا من الانتحار الوجودي الذي يقود إلى خلف القضبان أو إلى حبل المشنقة.
-
الانسحاب عند تحول الخلاف إلى هوس انتقامي: حين يتغير الهدف من حل المشكلة القائمة إلى الرغبة في كسر الطرف الآخر أو تلقينه درسًا، يكون المرء قد دخل دائرة الخطر الفعلي. الانسحاب في هذه المرحلة ليس هزيمة أو مساسًا بالكرامة، بل هو صيانة للعقل وحماية للحياة.
-
كسر العزلة وطلب التدخل الخارجي: حين تتعقد الحسابات، يصبح إدخال طرف ثالث عاقل—سواء كان مستشارًا، أو مختصًّا، أو جهة قانونية—ضرورة لتحييد الانفعال الفردي واستعادة التفكير المتزن.
-
قبول الخسارة الجزئية لتفادي الفناء الكامل: إن إنهاء علاقة فاشلة، أو تحمل تبعات طلاق، أو خسارة نزاع وظيفي، كلها أثمان باهظة لكنها تظل محدودة الأثر وممكنة التعويض؛ أما التهور العنيف فخسارته مطلقة تستنزف العمر وتورث ندمًا أبديًّا.
بين اشتعال الغضب وبصيرة التراجع: تجربة شخصية
هذا التحليل ليس مجرد أطروحة نظرية منعزلة عن الواقع؛ ففي أوائل العشرينات من عمري، وخلال عملي لفترة قصيرة في سلك التعليم الابتدائي، واجهت تجربة اختبرت قدرتي على ضبط النفس إلى أقصى حد؛ حيث وضعتني إدارة المدرسة في ظروف مشحونة واستفزازات متكررة كادت تدفعني إلى الانفجار.
بلغ التوتر ذروته في مكتب الإدارة وأمام جمع من الزملاء، حين وُجهت إليّ اتهامات باطلة ونُقلت عني وشايات لا أساس لها، وارتفعت الأصوات بمحاولات متعمدة للتشكيك في اتزاني المهني. في تلك الثواني الحرجة، وفيما كانت مشاعر الغضب تدفع نحو رد فعل حاد قد يصل إلى الاشتباك الجسدي، استحضرت الحسابات العقلانية الباردة: كانت أمامي خطط واضحة للسفر وإكمال دراستي الجامعية في هندسة الحاسوب، ولم يتبقّ على نهاية تلك المرحلة سوى بضعة أشهر.
أدركت حينها أن الاستجابة للاستفزاز، مهما بلغت مرارة الظلم، ستكلفني تدمير مستقبلي الأكاديمي والمهني؛ فآثرت الصمت وضبط النفس والانسحاب بهدوء، مستعينًا بدعم زملاء مخلصين. مرت الأشهر، وانتقلت إلى بيئة عمل أفضل، ثم تابعت دراستي ونلت شهادتي، وبنيت مسيرتي المهنية في بيئة أعتز بها اليوم. وحين أتأمل ذلك الموقف، أدرك أن النصر الحقيقي لم يكن في الرد على الإهانة وقتها، بل في حرمان تلك اللحظة العابرة من مصادرة مستقبلي بأكمله.
بين سيادة القانون ورغبات الجمهور
إن الإبقاء على هيبة العدالة يقتضي أن تظل المحاكمات بمنأى عن هيجان الشارع ورغبات الانتقام الجمعي. وفي حين تتجه العديد من الأنظمة القانونية عالميًّا وإقليميًّا لمراجعة العقوبات القصوى وإلغائها—كما هو الحال في كاليفورنيا بوقف تنفيذ الإعدام، أو في التشريعات اللبنانية الحديثة—فإن النقطة الأهم تكمن في الحفاظ على نزاهة الإجراءات وكفالة حق الدفاع دون ترهيب؛ فالبيئة التي تجعل المحامي يشعر بالحرج أو الاعتذار عن أداء واجبه الدستوري هي بيئة تشكل خطرًا على جوهر العدالة بأسره.
خاتمة
مهما بلغت حدة المأزق الذي تواجهه، ومهما بدت الخيارات أمامه ضيقة، لا تمنح لحظة انفعال واحدة الحق في تدمير ما تبقى من عمرك. تراجع، انسحب، اطلب العون، واقبل بالخسارة الجزئية؛ فمعظم عثرات الحياة يمكن تداركها وإصلاحها مع إشراقة كل صباح جديد، إلا خطوة واحدة إذا خَطَوتَها نحو العنف، فقد لا تجد غدًا تملك فيه فرصة الرجوع.
«تراجعُ دقيقةٍ واحدةٍ بشجاعة وعقل، قد يكون هو الفارق الحاسم بين حياة كاملة، وضياع أبدي.»